ابراهيم بن عمر البقاعي
503
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
من إيمان جُنَّةً أي وقاية وسترة من كل ما يفضحهم من النفاق كائنا ما كان ، أو يوجب قتلهم بما يقع منهم من الكفران . ولما كان علمهم بأنه يرضى منهم بالظاهر ويصدق أيمانهم هو الذي جرأهم على العظائم ، فكانوا يرغبون الناس في النفاق بعاجل الشهوات ويثبطونهم عن الدين بما فيه من عاجل الكلف وآجل الثواب ، سبب عن قبول إيمانهم قوله مظهرا بزيادة التوبيخ لهم : فَصَدُّوا أي كان قبول ذلك منهم وتأخير عقابهم سببا لإيقاعهم الصد عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي شرع الملك الأعلى الذي هو الطريق إلى رضوانه الذي هو سبب الفوز الأعظم ، فإنهم كانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ويوهون أمره ويحقرونه ، ومن رآهم قد خلصوا من المكاره بأيمانهم الحانثة وردت عليهم الأرزاق استدراجا وحصلت لهم الرفعة عند الناس بما يرضونهم من أقوالهم المؤكدة بالأيمان غره ذلك قاتبع سنتهم في أقوالهم وأفعالهم ، ونسج على منوالهم ، غرورا بظاهر أمرهم ، معرضا عما توعدهم اللّه سبحانه عليه من جزاء خداعهم ومكرهم ، وأجرى الأمر على أسلوب التهكم باللام التي تكون في المحبوب فقال : فَلَهُمْ أي فتسبب عن صدهم أنهم كان لهم عَذابٌ مُهِينٌ * جزاء بما طلبوا بذلك الصد إعزاز أنفسهم وإهانة أهل الإسلام . ولما كان لهم أموال وأولاد يتعززون بها ، قال مستأنفا دالّا على أن من استتر بجنة دون طاعته لتسلم دنياه وراءه تكشف لسهام التقدير من حيث لا يشعر ، ثم لا دينه يبقى ولا دنياه تسلم : لَنْ تُغْنِيَ أي بوجه من الوجوه عَنْهُمْ أي في الدنيا ولا في الآخرة بالافتداء ولا بغيره أَمْوالُهُمْ وأكد النفي بإعادة النافي للتنصيص على كل منهما فقال : وَلا أَوْلادُهُمْ أي بالنصرة والمدافعة مِنَ اللَّهِ أي إغناء مبتدئا من الملك الأعلى الذي لا كفوء له شَيْئاً أي من إغناء ولو قل جدّا ، فمهما أراد بهم سبحانه كان ونفد ومضى ، لا يدفعه شيء تكذيبا لمن قال منهم : لئن كان يوم القيامة لتكونن أسعد فيه منكم كما نحن الآن ولننصرن بأنفسنا وأموالنا وأولادنا . ولما انتفى الإغناء المبتدىء من اللّه فانتفى بانتفائه كل إغناء سواه ، أنتج ذلك قوله : أُولئِكَ أي البعداء من كل خير أَصْحابُ النَّارِ ولما أفهمت الصحبة الملازمة ، أكدها بقوله : هُمْ أي خاصة لاضمحلال عذاب غيرهم - لكونهم في الهاوية - في جنب عذابهم فِيها أي خاصة دون شيء يقصر عنها خالِدُونَ * أي مقيمون باقون دائمون لازمون إلى غير نهاية . ولما كان إفسادهم لذات البين سرا ، وحلفهم على نفي ذلك جهرا مع الإلزام بقبول ما ظهر من ذلك منهم مع علمه سبحانه وتعالى بأنه كذب غائظا موجعا ، وكان ربما توهم متوهم أنه تعالى كما ألزم بقبولنا لما ظهر منهم في دار العمل يأمر بقبولهم في